الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

651

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ووقع في رواية حذيفة : أن الخليل - عليه السّلام - قال : « لست بصاحب ذاك ، إنما كنت خليلا من وراء وراء » . بفتح الهمزة فيهما بلا تنوين ، ويجوز البناء فيها على الضم للقطع عن الإضافة نحو « من قبل ومن بعد » واختار أبو البقاء . قال الأخفش : يقال لقيته من وراء بالضم ، وقال : إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن * لقاؤك إلا من وراء وراء ويجوز فيهما النصب والتنوين جوازا جيدا ، قاله أبو عبد اللّه الأبى . ومعناه : لم أكن في التقريب والإدلال بمنزلة الحبيب ، وقيل : مراده : إن الفضل الذي أعطيته كان بسفارة جبريل ، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه اللّه بلا واسطة ، وكرر « وراء » إشارة إلى نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة ، فكأنه قال : أنا من وراء موسى ، الذي هو من وراء محمد ، وسبق مزيد لذلك في الخصائص . وأما ما ذكره من الكذبات الثلاث ، فقال البيضاوي : الحق أنها إنما كانت من معاريض الكلام ، لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استقصارا لنفسه عن الشفاعة ، لأن من كان أعرف باللّه وأقرب إليه منزلة ، كان أعظم خوفا . وأما قوله عن عيسى : « إنه لم يذكر ذنبا » ، فوقع في حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي : « إني اتخذت إلها من دون اللّه » « 1 » . وفي حديث النضر بن أنس عن أبيه ، حدثني نبي اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إني لقائم انتظر أمتي عند الصراط ، إذ جاء عيسى فقال : يا محمد ، هذه الأنبياء قد جاءتك يسألونك لتدعو اللّه أن يفرق جمع الأمم إلى حيث شاء ، لعظم ما هم فيه » « 2 » . فأفادت هذه الرواية تعيين موقف النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - حينئذ ، وأن هذا الذي

--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 10 / 372 ) وقال : رواه أبو يعلى وأحمد وفيه علي بن زيد ، وقد وثق على ضعفه ، وبقية رجالهما رجال الصحيح . ( 2 ) ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 10 / 373 ) وقال : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح .